الشيخ محمد آصف المحسني

167

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

بمن يخلفه الإمام المذكور أعني به النبيّ الخاتم ( ص ) . والمشهور بينهم لعلّه هو الوجه الأوّل . ولنا طريق خاصّ إلى المطلوب ، وعليه نعتمد ، وإليك بيانه وبيان مقدّماته : 1 - إنّ شريعة خاتم المرسلين ( ص ) باقية إلى يوم القيامة ، والناس موظّفون بتقليدها واعتناقها . وهذه المقدّمة من أوضح الضروريات الإسلاميّة . 2 - إنّ الشريعة الإسلاميّة مشتملة على أصول اعتقاديّة ، وفروع عمليّة من العبادات والمعاملات والسياسات والاجتماعيّات وغير ذلك ، بل كلّ فعل أو ترك للمكلّفين لا بدّ من اتّصافه بأحد الأحكام الخمسة الشرعية عقلًا ، وهذه أيضاً واضحة . 3 - أمر التشريع والتقنين بيد الله تعالى وحده ، أو بيد رسوله الخاتم ( ص ) أيضاً على نحو مرّ في المقصد السابق ، وليس للناس دخل فيه ، وهذه المقدّمة ضرورية بين المسلمين ، وهي لا تنافي استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها التفصيليّة وكبرياتها الكليّة ، كما يفعله العلماء المجتهدون ، ضرورة تغاير الاستنباط والتشريع . 4 - لا بدّ في صحّة التكليف من وصوله إلى المكلف ، وهذا ممّا لا ريب فيه عقلًا ولا شرعاً ، ولا ينبغي لعاقل أن يتوقّف في قبوله . 5 - إنّ مصادر التشريع أربعة : القرآن ، والعقل ، والإجماع ، والسنة ، وعدم كفاية الثلاثة الأول لمعظم الأحكام الفقهية وكثير من الفروع الأصولية الاعتقادية أظهر لكلّ أحد ملتفت إلى الشريعة من أن يحتاج إلى بيان ومزيد توضيح . وأمّا السنّة - ونعني بها ما صدر عن الرسول الأعظم ( ص ) في زمان حياته ، وبيّنه لأمّته بين حين وآخر - فهي أيضاً غير كافية لتكميل نظام التشريع وإتمام الفقه الإسلامي ، كما يظهر ذلك لكلّ من مارس المسائل الفقهية ، ووقف على مداركها ومآخذها ، كيف ولو بيّن النبيّ الأكرم ( ص ) معظم الأحكام الشرعيّة لما اختلف فقهاء الأمة ذلك الاختلاف العجيب ، ولم يؤل الأمر إلى الإفراط والتفريط . وإنّني لا أظنّ بعاقل فاضل أن يتردّد في ذلك أصلًا ، وأمّا وجه أنّه ( ص ) لم يبيّن جميع الأحكام للناس فلعلّه لأمور : الأوّل : ضيق الفرصة وقلّة المجال ، أمّا في مكة فلقلّة أصحابه ، وابتلائه بأذى المشركين ، وأمّا في المدينة فلاشتغاله بالحروب ، وتركيز أصل الإسلام بين الناس وتحكيم القرآن في أوساط المسلمين . الثاني : قلة ابتلاء المسلمين الموجودين في عصره ( ص ) بالموضوعات المختلفة لكي يدعو إلى بيان أحكامها الشرعيّة .